ركام أحد البيوت جرّاء القصف في إدلب بعدسة المدوّنة يمامة الأسعد- تموز - 2017

 

يبدأ الرجل المسنّ حديثه لي وكأنه ينبش في ركام ذاكرته، يسرد قصّة ابنته ليعود إلى حادثة القصف.

“لازلت أذكر ماحصل لحظة بلحظة. كنت أزيح الركام علّي أجد ابنتي حيّة… ما إن رأيتها حتى أخذتْ نفساً عميقاً وغابت عن الوعي”.

حاولتُ رفع السقف عنها… جاء صوت أخيها صارخاً: “انقذونا…”.

سمعته يهمس في أذنها: “انطقي الشهادة اختاه…”.

تهافت الناس… أحضروا رافعة.. أبعدوا السقف… ظهرت ابنتي تحت الركام… غطيناها بما تيسر من قماش… أقترب أخوها ليحملها… سقط مرة تلو المره…

رفعوا أكثر.. وإذ بزوجها وأمه واخيه.. ممزقين .. ثلاثتهم ماتوا في لحظة.. اجتمعوا أسرة تحت الركام..

كتب الله الحياة لابنتي. لكن مسيرة عذاباتها لم تنتهِ. بدأ الألم يشتد ويشتد.. تصارعه في جنبات المستشفى.. أخبرنا الطبيب أنه كسرٌ في الحوض.. وأخرى متفرقة… وبعض الخدوش. جراح تحتاج خياطة سريعة.. لكنها ستنجو كما ختم الطبيب كلامه معي.. لكنه استأنف بـ “لكن”…

صمتنا جميعًا… نُحدّق بهِ… وننتظر ماذا بعد لكن؟

أكمل الطبيب: “هي حامل… ولا بد من اسقاط الجنين اذا أردنا تصويرها شعاعيا”.

صُعقتُ… ولم أعرف كيف نجا حملها؟
قلت للطبيب: “لا اسمح بقتل من أنجاه الله من كل هذا. دعه لعله يكون سندًا لأمه وأخته”.

مرّت الساعات الأولى، نحيب وبكاء، كانت ابنتي في كل مرة تصحو بها تسأل: “أين محمد؟ أين زوجي؟”.

نتبادل النظرات أمامها، ماذا يسعنا أن نقول؟ جُلّ ما استطعنا قوله: “هو بخير، اطمئني”.

مرت الأيام وابنتي مازالت تعتقد أن زوجها بخير.

حان موعد إخبارها. جمعتُ كل الحزن في جملة واحدة: “مات هو وأمه وأخوه، ونجوتِ أنتِ وابنتك فقط”. سمعت مني وغابت عن الوعي.

مرت الأيام على ابنتي في بيتيّ ثقيله. حاولنا إخراجها من حزنها. اجتمعت آلامها دفعة واحدة، كسرٌ في الحوض وحملٌ مهدد وفقدانها المفاجئ لزوجها وعائلته.

الولادة مرت دون أثر يذكر، ظننت أنها ستكون فرحة تعيد لابنتي المنكوبة بهجتها.

لكن …… “الكارثة لم تبقِ للفرح مكاناً”. طفلتها الوليدة كانت من أصحاب الاحتياجات الخاصة…!

تعانقها.. تبكي وتكرر: “ليتني متُّ قبل هذا..”.مر الوقت. بدأ الناس يطلبون ابنتي للزواج. تنازعني الرفض أو القبول.

أراها تذبل أمامي مع الأيام. دقّ الخطّاب بابنا. تجدد وجه ابنتي الذابل.

أوائل تشرين الثاني سنة 2016 طُرق الباب ودخل مجموعة من الأقارب بينهم خاطب.. رفضت بداية الأمر. لكن قبول الخاطب شرط ابنتي “إبقاء طفلتيها معها”، دفعني للموافقة.

ردّت الحياة لوجهها، تسارعت الأحداث وعادت صغيرتي إلى حياتها ودراستها من جديد.