تهجير أهالي حيّ الوعر - أيار 2017

لم يمضي الكثير من الوقت حين غادرتها آخر مرة أو بالأحرى أول مرة فلا استسيغ اليوم فكرة الهجرة مرتين. مئة عام من الألم، ربما أكثر، عشتها في الخمسة أشهر الماضية حتى وإن كانت قليلة بالمقارنة مع من تهجّروا قبل سنوات عديدة.

تهجير… عليّ أن أقف قليلاً هنا، وأن أتأخر قصداً عن سرد القصة فعلى المرء أن يعطيّ كل كلمة حقها وكل ألم احترامه. عليه أيضاً أن يعود إلى الوراء وأن يغمض عينيه هنا خصوصاً إن كان مهجراً قسراً مثلي أنا.

أغمضُ عينيّ وأعود إلى الوراء إلى اللحظات التي سبقت حزم حقائبي، إلى اللحظات التي كنت فيها أوثق كل قطرة دم نزفت في حي الوعر الحمصي قبل رحيل أهله الدامي. نعم كان الرحيل دامياً، مدوياً ربما أكثر من أزيز رصاص القناصة، وأعلى من صراخ قذائف المدفعية وهدير غارات الطيران التي عشت معها طوال ستة أعوام مضت.

حزمت أمتعتي وغادرت كأني لم أكن، كأني ما خلقت هنا، ما درستُ هنا وما حوصرت هنا

كأني ما دفنت أخي وكأني ما فارقتُ أحبابي، غادرت كأني لم أكن.

كان حلمي أن أغادر حقاً تلك الجنة الدامية الصغيرة لكن حلمي لم يتحقق كما تمنيته، فلا يمكن للأحلام أن تتحقق كما نريد، لعلي بالغت في الحلم أن أغادر منزلي إلى سوريا محررة بالكامل، طيلة أربع أعوام حلمت أن يُقتَل السجان وأخرج لأجد البنادق تستقبلني بحفاوة، وتطلق سيمفونية النصر الجميلة، تصرخ: “أجل لقد تحررنا”.

هكذا استقبلتني البنادق في مدينة الباب حيث أقطن الآن لكنني لم أسمع السيمفونية التي رغبت بل سمعتها تنادي: “أهلاً بكم صمدتم كثيراً”.

بدأتها من الصفر، أقصد حياتي التي أصبحت عقب التهجير خاوية حتى بالرغم من انتهاء الحصار وقرع الطبول للحياة الجديدة، فكرت ليالٍ كثيرة من أين أبدأ وكيف سأعيش؟ لكن الإجابة لم تكن بعيدة عندما وجدت آلاف الكيلومترات التي يعلو فوقها علم الثورة الأخضر فمن هنا ستكون نقطة عودتي إلى الوطن البعيد، هذا ليس حلماً مستحيلاً فما تزال هنا حناجرٌ تصدح بالحرية وما يزال هنا أطفال ونساء دفعوا ثمن الحرية آلاف المرات وما يزال هنا وهناك شهداء قضوا من أجل عودتنا، وعارٌ علينا إن لم نعد لاستعادة حقوقنا التي دُفنوا لأجلها، بعد كل هذا… يموت اليأس ويهمس صوت في داخلي:

“لا تنطفئِ”.