عنب من داريا بعدسة المدوّنة سلام الشامي - 2016

سيدة من داريا أخبرتني قصتها بينما كنت أعمل على تدوينتي هذه، ما أن سألتها عن حالها حتى طفح لسانها بـ…

“أصرفُ سحابة يومي في دكاني الصغير هذا.

تستغرب كيف لامرأة خمسينية أن تعمل؟ نعم…فالحياة بعد هجرتنا من داريا لم ترحمنا. ولدي مصاب وزوجي لم يجد عملاً يناسب خبرته. حالنا كحال الآخرين نحتاج بعض المال لنبقى على قيد الحياة. فلا السلال الغذائية تكفي ولا ثوب الإعارة يدفّئ عظامنا الهرِمة.

عشنا أربعاً عجافاً في داريا، لله الحمد لم نكن وحدنا. أكثر من  ألف وثلاثمئة عائلة، ذاقوا المرار. ماذا أخبرك عن ويلات الحرب؟ عن النقص الحاد في الطعام والشراب والدواء؟ أم عن الأجهزة الطبية المعطلة والأدوية منتهية الصلاحية؟ أم عن الموت المجاني الذي اختتمَ بالهجرة القسرية إلى الشمال السوري.

ما إن حطَت أقدامنا رحالها في أرضنا الجديدة، حتى تغيّرت الهموم. بات همّنا عملاً يقينا ذلّ الحاجة والسؤال. نسينا خروجنا بقلوبٍ تطحنها الآهات ووجوه نهشها الأسى، وعيونٍ نضُبَ دمعها.

أخبرني عامر الذي يعمل مع لجنة الإغاثة الخاصة بنا “مهجّري داريا” بأن “نسبة الفقر، تصل إلى 75% بين أهلنا، متوسط الدخل الشهري للعائلة الواحدة 90$”. أنا لا أفهم بالأرقام ولا أعرف الدولار، ولكن الليرة باتت كحالنا وأسوأ.

ابنة جيراني “دُعاء” 28 عامًا، برعت بالتدريس في سنوات الحصار الأربع، في داريا، فقد عملَت متطوعة في مدرسة “أمل الأمة”، التي أُنشئت تحت الحصار، عادت لمهنتها، براتب 50$ شهرياََ”. أحادثها عن عملها الذي تراه فرصة لبناء مجتمع جديد وفرصة لتطوير ذاتها. لا تخفي فرحتها بعودة أولادنا إلى مقاعد الدراسة، بعد حرمانهم الطويل.

لم أخبرك أن والد دعاء مصاب، أشبه بالمقعد، يعاني حروقًا بالغة، كما فقدت أختها في غارة جوية، ولديها أيضاً أخٌ مُصاب لا يقوى على العمل، وأمّ منهكة.

جارتي السابقة “أم شادي” جربت أن تقلدني أسست بقالية في بيتها الجديد بالمخيم. باعت عُقدًا غالياً على قلبها، فهو هدية أمها المكافحة، باعته واشترت بضاعة المحل الجديد.

الكل هنا يسأل عن دور منظمات ومؤسسات المجتمع المدني، لا تصدق أني أعرفهم، ولكني أسمع بهم، ولكن هل يساهمون في تخفيف المعاناة عنا؟؟

“أم عبد الله” أستاذة ابنتي الصغيرة للغة العربية، أم لثلاثة أطفال، في عقدها الرابع، واحدة من المستفيدات من تلك المنظمات، تنفذ مشروعها في غرفة من بيتها، الذي لا يكاد يتّسع لعائلتها. مشغولة بتفريغ مكان في معملها الصغير، لتجلسنا فيه عند زيارتها “هلئ خلصت مونة مربى المشمش والخوخ، رح بلّش بالمكدوس قبل ما تطفا النار”.

بدأت بهذا العمل بعد يأسها وزوجها من البحث عن فرص تناسبهم إن كان في التعليم أو غيرها من الأعمال، فعملت على تأسيس مشروع “بيت المونة” بدعم إحدى تلك المنظمات التي أخبرتك أني لا أعرفها، أنا بالغالب أشتري مؤنتي من عندها.

يا ولدي تذكّر أن الحياة لا تقف عند بيت مدمّر ولا حيّ تهجّر، تذكّر أننا نولد من الركام وننمو كأغصان جفنة العنب الديراني”.