عمالة الأطفال بعدسة المدوّنة أسيل العبد الله - أيلول 2017

أغارت الطائرة. عُلِّق الدوام المدرسي. هرعَ الطلاب إلى بيوتهم. ما عدا أحمد ذو الثلاثة عشر ربيعاً. إلى السوق حيث سقطت القذائف كانت وجهته لا لشراء حاجات منزليّة بل ليبحث عن أبيه بين الركام.

اعتاد كغيره من صغار السوريين مشاهد الأشلاء والضحايا، “أبي أنت هون… دورت عليك كثير وما لقيتك”، همس صارخاً بوجه أبيه عندما وجده مرتمياً على قارعة الطريق بجسدٍ محترق وعظامٍ مهشّمة، “دير بالك على أمك وأخواتك”، كان ردّ الأب الوحيد.

غادر أبو أحمد الحياة. غادر ابنه الصغير طفولته.

ترك المدرسة ولبس ثياب العمل. يبيع المحروقات ويحتمل نزق الزبائن.

“توسخت السيارة بالمازوت ما عاد ادفعلك حقه” عبارة يسمعها كثيراً. يتلوها توسّلات ورجاء بأن يدفع المشتري ما عليه وإلّا فإن أحمد لن يُطعم أمه وأخوته هذا اليوم. يردد في رأسه “لو أبوي عايش ما كان صار هيك”، ثم يعود لملىء سيارة زبون آخر.

الواحدة ظهرًا موعد خروج أصدقاء أحمد من المدرسة. يحاول الاختباء خلف براميل المازوت كي لا يراه رفاقه بهذه الثياب، فهو يحب مدرسته منعه عنها موت والده وظروف عائلته.

تُخرِج أم أحمد ماكينة الخياطة، تُزيل عنها غُبار السنين، تخيط الثياب للناس. تساعد ولدها، رغم ضعف بصرها، إلّا أنها تستعين بالنظارة. تكافح الأم في منزلها منتظرة عودة صغيرها أحمد حاملاً الخبز والخُضار. أنهكه التعب وسالَ أنفهُ من رائحة المازوت. يثقل كاهله التعب، يرمي الألم والحزن خارجًا ليرسم بسمة على وجه تلك الأسرة التي حرمتها الحرب من لمسة حنان أو كتف تتكيء عليه عند المصاعب.

محمد، مصطفى، وعلاء أيضًا تركوا مقاعد الدراسة وأحلامهم الصغيرة التي يأملون في تحقيقها يوماً، يتحمّلون أعباء الأُسرة ويتحولون من أبناء إلى آباء ومسؤولية يعجز الكبار عن تحملها.

أطفالٌ باتت مقاعد الدراسة حلمهم. تركوها مجبرين والتحقوا بسوق العمل. سوق يؤمن لهم مصروفًا وحياةً أفضل إن وجدت.